ابن خلدون

154

تاريخ ابن خلدون

مدن المغرب واتسعت بعد ذلك خطتها واستبحر عمرانها ورحل إليها العلماء والتجار من القاصية وحين نازل إسماعيل المنصور أبا يزيد لقلعة كتامة جاءه زيرى في قومه ومن انضم إليه من حشود البربر وعظمت نكايته في العدو وكان الفتح وصحبة المنصور إلى أن انصرف من المغرب ووصله صلات سنية وعقد له على قومه وأذن له في اتخاذ القصور والمنازل والحمامات بمدينة أشير وعقد له على تاهرت وأعمالها ثم اختصت ابنه بلكين بأمره وعلى عهده مدينة الجزائر المنسوبة لبنى مزغد بساحل لبحر ومدينة ملينة بالعدوة الشرقية من شلف ومدينة لمدونة وهم بطن من بطون صنهاجة وهذه المدن لهذا العهد من أعظم مدن المغرب الأوسط ولم يزل زيرى على ذلك قائما بدعوة العبيديين منابذ المغراوة واتصلت الفتنة فيهم ولما نهض جوهر الكاتب إلى المغرب الأقصى أيام معد المعز لدين الله أمره أن يستصحب زيرى بن مناد فصحبه إلى المغرب وظاهره على أمره ولما ظهر يعلى بن محمد النفزي اتهمه زناتة بالممالاة عليه ولما نزل جوهر فاس وبها أحمد بن بكر الجذامي وطال حصاره إياها كان لزيرى في حصارها أعظم العياء وكان فتحها على يده سهر ذات ليلة وصعد سورها فكان الفتح ولما استمرت الفتنة بين زيرى ابن مناد ومغراوة ووصلوا أيديهم بالحاكم المستنصر وأقاموا دعوة المروانية بالمغرب الأوسط وشمر محمد بن الخير بن محمد بن خزر لذلك رماه معد لقريعة زيرى في قومه واحتشد أهل وطنه وقد جمع له محمد بن الخير وزناتة فسرح إليهم ولده بلكين في مقدمة وعارضهم قبل استكمالهم التعبية فدارت بينهم حرب شديدة بعد العهد بمثلها يومئذ واختل مصاف مغراوة وزناتة ولما أيقن محمد بن الخير بالمهلكة وعلم أنه أحيط به مال إلى ناحية من العسكر وتحامل على سيفه فذبح نفسه وانفض جموع زناتة واستمرت الهزيمة عليهم سائر يومهم فاستلحموا ومكثت عظامهم ماثلة بمصارعهم عصورا وهلك فيما زعموا بضعة عشر أميرا منهم وبعث زيرى برؤوسهم إلى المعز بالقيروان فعظم سروره وهش لها الحكم المستنصر صاحب الدعوة بما أوهنوا من أمره واستطال زيرى وصنهاجة على بوادي المغرب وغلب يده على جعفر بن علي صاحب المسيلة والزاب وسما به في الرتب عند الخلافة وتاخمه في العمالة واستدعى معد جعفر بن علي من المسيلة لتولية إفريقية حين اعتزم على الرحيل إلى القاهرة فاستراب مما كانت السعاية كبرت فيه وبعث معد المعز بعض مواليه فخافه جعفر على نفسه وهرب من المسيلة ولحق بمغراوة فاشتملوا عليه وألقوا بيده زمام أمرهم وقام فيهم بدعوة الحكم المستنصر وكانوا أقدم لها إجابة وفاوضهم زيرى الحرب قبل استفحالهم فزحف إليهم واقتتلوا قتالا شديدا وكانت على زيرى الدبرة وكبا به فرسه وأجلت الهزيمة عن مصرعه